تمهيد
تأسست الفسطاط لتكون أول عاصمة لمصر تحت الحكم الإسلامي، وهي اليوم تقع ضمن منطقة مصر القديمة جنوب غرب القاهرة. ويوجد بالمنطقة العديد من المعالم الأثرية كجامع عمرو بن العاص الذي تم بناؤه في القرن السابع وهو بذلك يعتبر أول جامع في أفريقيا، بالإضافة إلى الكنيسة المعلقة ومعبد بن عزرا اليهودي. وعلى الرغم من نشأتها كمركز السلطة في مصر، تعاني الفسطاط حالياً من التدهور العمراني، حيث إن المنطقة يعود تاريخها إلى ما قبل بدء التخطيط العمراني الحديث للقاهرة، ومن الطبيعي أن أغلبها لم يخضع لأي تخطيط عمراني، وهي ترزح تحت عقود طويلة من إهمال الدولة، في الوقت الذي مازال يتم فيه توجيه معظم موارد القاهرة إلى الأحياء الأحدث بعيداً عن القلب التاريخي للمدينة. وحيث إن هذا هو الوضع الحالي، وللاستفادة من مناطق الجذب السياحي والمعالم التاريخية الموجودة بها، فقد بدأت الدولة تتوجه إلى منطقة الفسطاط بجهودها التخطيطية الرامية إلى تطوير المواقع الأثرية المنتشرة عليها والأحياء المتدهورة بها.
ما نعرفه
ليس من السهل العثور عن معلومات حول أي مخططات للفسطاط. والمعلومات المتاحة عنها للجمهور يمكن الحصول عليها فقط من خلال أحد مصدرين: الأول هو ما توفره المقترحات الحالية لتطوير المنطقة من مخططات ودراسات رسمية، والمصدر الثاني يتمثل في التصريحات الإعلامية للمسئولين والتي قد تكشف النقاب عن ماهية الأمور التي ربما تجري حالياً في المنطقة.
فيما يخص المصدر الأول، المخططات والدراسات الرسمية، كانت الفسطاط محوراً لدراسة بعنوان “إعادة النظر في الفسطاط” أجرتها وزارة الثقافة خلال 2006 – 2007 حول إمكانية إعادة التخطيط العمراني لاستعمالات الأراضي بالمنطقة. هذه الدراسة كانت جزءاً من مشروع متحف الحضارة المقام في الفسطاط، والذي يُعرف أيضاً باسم متحف الفسطاط المفتوح. هذا المتحف ليس إلا خطوة أولى على سبيل تحويل المنطقة إلى “مركز سياحي تاريخي في قلب القاهرة” وهو ما سيتطلب –تبعاً لما ورد في هذه الدراسة– إنشاء متنزه قائم على تيمة التاريخ، مجمع للسينمات، متنزه يعرض أعمال الكشف عن الآثار، فنادق، وحديقة عامة.
وفي أكتوبر 2010، طرحت الهيئة العامة للتخطيط العمراني على الهيئات الاستشارية كراسة شروط لإعداد مخطط عام إستراتيجي لمنطقة الفسطاط، على أن يتضمن بدائل تفصيلية لاستعمالات الأراضي لمناطق مختلفة من الفسطاط. وقد قامت بالتنفيذ شركة مصرية هي كيوب كونسلتنتس، حيث قدمت الشركة مخططاً عاماً للفسطاط هدفه المعلن هو “تحقيق مخطط القاهرة عام 2050“، ويستهدف منطقة تدخُّل مساحتها 4000 فدان تغطي تقريباً حي مصر القديمة بأكمله. وتشتمل هذه المساحة على منطقة عشوائية مكدسة بالسكان هي عزبة خير الله، والتي يقطن بها مئات الآلاف من الأهالي، وهي موضع سلسلة من الدعاوى القضائية بين الأهالي ومحافظة القاهرة بشأن ملكية الأرض، وذلك من دون توضيح كيف يمكن تنفيذ أي مخطط على أرض غير محسومة الملكيات، وهو ليس حال عزبة خير الله فقط وإنما معظم المناطق العشوائية التي يقع كثير منها في نطاق تدخلات هذا المخطط. هذا السؤال يصبح محورياً أكثر مع ما أورده المخطط العام كأحد أهدافه: «تحسين نوعية الحياة للسكان عن طريق إخلاء بعض المناطق غير الرسمية وتطويرها.» بمعنى أن الطرد ليس مجرد أحد الخيارات، بل يبدو أنه إستراتيجية رئيسية للمخطط المقترح. وإجمالاً فإن المخطط يعتزم إخلاء خمس مناطق عشوائية، بما في ذلك أجزاء من عزبة خير الله التي تم تصنيفها رسمياً على أنها غير آمنة.
تدخل هذه الأجزاء –كما تبين الصورة التالية– ضمن ما يسمى حدائق القاهرة” المقترح، والذي يتكون من سلسلة حدائق يتم إنشاؤها في المنطقة المقترحة للتطوير. وتُظهر الصورة أيضاً المناطق غير الآمنة التي حددها صندوق تطوير المناطق العشوائية في آخر تقرير له (2013) حيث يقطن حالياً آلاف السكان، بالإضافة إلى متحف الحضارة الذي سبقت الإشارة إليه.
جاء هذا المخطط عام 2010 بالتوازي مع مخطط القاهرة 2050 الذي كان حينها قد بدأ يواجه انتقادات عنيفة من مواطنين ومهتمين بالعمران. وبعد ثورة 2011، بدأ القائمون على مخطط القاهرة 2050 في الهيئة العامة للتخطيط العمراني يصرفون النظر عنه باعتباره “مجرد حلم“، إلى أن قام المسئولون الجدد في الحكومات التي تلت قيام الثورة بمراجعة المخطط، حتى أعادوه إلى الحياة أخيراً تحت اسم جديد: الرؤية الإستراتيجية لتنمية القاهرة. ويبدو أن مشروع الفسطاط كذلك قد طرأت عليه بعض التعديلات بحيث يصبح هو أيضاً أكثر مواءمة للبيئة السياسية الجديدة وتوجهات مرحلة ما بعد يناير 2011، فصفحة الشركة على فيسبوك تذكر أن المشروع تمت إعادة النظر فيه في عام 2012، وذلك للتأكد من أنه “يحقق العدالة الاجتماعية“، وأن المنظمات غير الحكومية المحلية قد شاركت في عملية التخطيط العمراني هذه. وعلى الرغم من أن الشركة لم تفصح عن ماهية التدابير التي تم اتخاذها لضمان مبدأ المشاركة، فإن وثيقة نشرتها الشركة ومتاحة على الإنترنت تقدم نتائج مسح ميداني تم إجراؤه مع سكان جزء واحد من المنطقة المحددة للمشروع، بالتحديد سكان المقابر. والوثيقة لا تذكر عدد السكان الذين أجريت معهم مقابلات أو كيف تم اختيارهم، لكن ما تذكره بوضوح تام هو أن 69٪ «يريدون أنيتركوا المنطقة وينتقلوا إلى مكان آخر.»
وهكذا تظل التدابير المتخذة لضمان العدالة الاجتماعية–في أفضل وصف لها– موضع شك، خاصة أن الصور المنشورة على صفحة الشركة على موقع فيسبوك ما زالت تعرض لقطات من السنترال بارك الذي كان مقترحاً منذ البداية، وهذا يعني أن شيئاً لم يتغير في الحقيقة.
آخر ما توفر من معلومات يقول إن الفسطاط قد أصبحت جزءاً من الرؤية الإستراتيجية لتنمية القاهرة، والتي تقوم الهيئة العامة للتخطيط العمراني حالياً بنشر نسخة أحدث منها. والتوثيق الوحيد المتاح الآن للرؤية الإستراتيجية يذكر فقط أن الفسطاط قد جرى تضمينها فيها، ولكن هذه الرؤية الإستراتيجية الأحدث عجزت عن تقديم أي تفاصيل عن التدخلات المقترحة في المنطقة. يُذكر أنه، في جميع مراحل تطوير الرؤية الاستراتيجية، طالما جرى العزف على نغمة مشاركة الأهالي وإدماجهم في العملية، إلا أنه ليس واضحاً إذا ما كان أي من هذين المبدأين قد طُبِّق بالفعل، أم أن تطبيقهما على مخطط الفسطاط مازال ينتظر دوره تالياً حسب خطة مقررة. بالإضافة إلى ما سبق، فإنه على ما يبدو لا يوجد ما يلزم الهيئات الحكومية والاستشارية المشاركة في المخطط بنشر نتائجها علناً، ناهيك عن شرحها لأهالي المجتمعات المعنية بأسلوب بسيط وواضح.
إن شعارات مثل العدالة الاجتماعية والمشاركة، حينما توضع جنباً إلى جنب مع صور لتدخلات عمرانية في أوروبا (على غرار هذه الصورة)، فإنها تفضي إلى حلم خيالي لطيف عن فسطاط المستقبل، بينما تنهج إستراتيجية التنفيذ نهجاً مختلفاً تماماً. والصورة التي ترسمها لنا المعلومات المتاحة حول ما يحدث الآن في الفسطاط مربكة للغاية، إذ أنها تُظهر وجود فجوة كبيرة بين “رؤى المخططين” للمنطقة ونتائج المخططات الناجمة عن هذه الرؤى، والتي تتشكل في ظل صراع على السلطة ومعارك بيروقراطية تحدث على أرض الواقع، مثل النزاع الناشب الآن حول أي من الجهات الحكومية لديها السلطة على أرض الفسطاط.
ففي سبتمبر 2013 تلقى محافظ القاهرة إخطاراً رسمياً من الهيئة العامة للتخطيط العمراني بأن منطقة الفسطاط بأكملها تقع في نطاق الأراضي المخصصة لمشروع متحف الحضارة المصرية. لكن، وحيث إن، المنطقة تزخر بالآثار، فالمنطقة تقع تحت سلطة وزارة الآثار أيضاً. وتبعاً لذلك، أرسل رئيس الوزراء، المعين لتوه آنذاك إبراهيم محلب، رسالة في مارس 2014 إلى وزارة الآثار يطلب فيها أن تقوم الوزارة باتخاذ جميع التدابير اللازمة للحفاظ على آثار المنطقة، وهي الرسالة التي وافقت وزارة الآثار على فحواها. ومع ذلك، وبالتزامن معه تقريباً، أرسلت محافظة القاهرة –منوّهة بأن المحافظة هي الجهة المالكة للأرض– قوات لإزالة جزء من منطقة الفسطاط بغرض إنشاء حديقة مكانها. ووفقاً لمفتشي الآثار الرسميين، فإن حديقة كهذه المزمع إنشاؤها قد تتسبب في ارتفاع منسوب المياه الجوفية، مما يؤدي إلى الإضرار بآثار المنطقة. وفي أبريل 2014، ومع إقرارها بأن المحافظة هي من تمتلك تلك الأرض، ذكرت وزارة الآثار أنها تسعى في الوقت الحالي إلى الحصول على قرار حكومي بضم المنطقة إلى قائمة المواقع التراثية. هذا يعني أن منطقة زاخرة بالآثار وبعضها يرجع إلى القرن السابع تقريباً مازالت غير مدرجة كموقع للتراث إلى عامنا هذا 2014، كما أن ثمة تعارضاً أيضاً مع واقعة طلب رئيس الوزراء من الوزارة حماية الآثار الموجودة بالمنطقة. وقد علمنا فيما بعد أن قانون حماية الآثار ينطبق بالفعل على مساحة من هذه الأرض، وبناءً على ذلك فقد اتفقت وزارة الآثار مع محافظة القاهرة على إنشاء حديقة هناك كحماية للمنطقة، بدعوى أن الأرض التي تُترك خالية غالباً ما تستخدم كمقلب لقمامة للحي الذي تقع فيه، كما جرى للعديد من المناطق بالقاهرة.
هذا الحل جاء كاقتراح من لجنة شكلها رئيس الوزراء إبراهيم محلب لتقوم بدراسة الاستعمالات المقبولة للمنطقة. وقد تألفت هذه اللجنة من محافظ القاهرة وممثلين للوزارات المختلفة. واقتُرحت الحديقة كإجراء مؤقت يسمح بإزالتها لاحقاً للحفاظ على أي مواقع تراثية. وقررت اللجنة أيضاً أن تُزرع الحديقة بنبات الصبار لمنع ارتفاع المياه الجوفية. إلا أن المؤكد، كما يقول المهندسون وخبراء التراث، أنه لا توجد أي طريقة لتجنب ارتفاع المياه الجوفية بالمنطقة، والتي طالت فعلاً بالضرر أجزاء كثيرة من منطقة مصر القديمة، حيث تقع الفسطاط.
ومن جانبه، كان تحرك مدير آثار الفسطاط إزاء هذه الوقائع هو تقدمه بشكوى رسمية إلى هيئة الرقابة الإدارية قال فيها إن ما يجري هو هدم للمواقع التراثية بالمنطقة، متهماً وزارة الآثار بأنها وجهت إليه تهديدات للضغط عليه.
في هذه الأثناء، كانت حملة “إنقاذ القاهرة” قد تقدمت بشكوى إلى النائب العام تتهم فيها وزارة الآثار ومحافظ القاهرة بتدمير المدينة التاريخية المسجلة رسمياً في قائمة اليونسكو للتراث العالمي منذ عام١٩٧٩. ورداً على هذه الشكاوى، قام محافظ القاهرة بإصدار بيان رسمي في أواخر أبريل ينكر فيه تعرض أي موقع من مواقع التراث بالمحافظة للهدم، محتجاً بأن المهتمين بآثار المنطقة كان يجب عليهم أن يتوجهوا بالشكر إلى المحافظة بدلاً من الهجوم عليها، حيث يرى أن المحافظة قد أنقذت المنطقة من البلطجية والمجرمين الذين فشوا فيها.
ما لا نعرفه
أما بالنسبة إلى ما لا نعرفه عن الفسطاط، فنحن لا نعرف من المالك للفعلي للأرض، ومن الذي لديه سلطة اتخاذ قرارات متعلقة بتطويرها بكيفية تحول دون: 1) المساس بالآثار الموجودة في المنطقة، 2) وانتهاك حقوق سكانها الحاليين. أيضاً مما نجده عسيراً على الفهم هل ستكون الحديقة المقترحة مصدر ضرر للآثار فعلاً أم لا، فمن ناحية لدينا المدافعون عن التراث يقولون بخطورتها على الآثار، ومن الناحية المقابلة لدينا وزارة الآثار تقول بعدم الضرر. ومن غير الواضح عامة إذا كان ثمة وسيلة ما لتجنب إتلاف الآثار، وما إذا كانت الحديقة هي بالفعل الطريقة الأكثر منطقية لحماية المنطقة. علاوة على ما سبق، فإن الكيفية التي سيؤثر بها المخطط على سكان الفسطاط الحاليين ليست واضحة، وكذلك إلى أي مدى تم تقصي آرائهم واهتماماتهم ودمجها في المخططات الحالية للمنطقة. وأخيراً، وكما ذكرنا من قبل، فقد ضمت الهيئة العامة للتخطيط العمراني الفسطاط إلى رؤيتها الاستراتيجية لتنمية القاهرة، ولكنها لم تعطِ أي تفاصيل تخص هذا الذي تم تخطيطه للمنطقة. إن مخطط الهيئة قد يتطابق، مثلما أنه قد لا يتطابق، مع السياسات التي تقوم بتنفيذها حالياً محافظة القاهرة ووزارة الآثار؛ وهذه العلاقة المبهمة، بين ما تم تخطيطه وبين ما يجري تنفيذه، لا تؤدي إلا إلى زيادة غموض الوضع.
أيضاً من بين ما لا نعرفه هو كيف يتم إنفاق المال العام على مخططات مثل المخطط الإستراتيجي للمنطقة، والذي أعدته الهيئة العامة للتخطيط العمراني، وهو مخطط يتضمن الإخلاء القسري لعدد لا يستهان به من سكان المنطقة ونقلهم لمناطق أخرى، على الرغم من أن الهيئة لا تزال تدعي التزامها بـ”العدالة الاجتماعية.” فهذا المخطط ليس فقط تم وضعه من قبل الهيئة، ولكن أيضاً يجري الترويج له من خلال وزارة الاستثمار بوصفه فرصة للاستثمار السياحي تحت اسم “تطوير منطقة الفسطاط.”
الشفافية ضرورة عملية
هذا الغموض والارتباك لا يؤثران على سكان الفسطاط فقط والقاهرة بوجه عام، لكن تأثيرهما يمتد أيضاً إلى عملية التطوير نفسها، إذ أن هذه الخلافات الدائرة بلا هوادة بين الجهات الحكومية تنال من جدوى المخططات العمرانية الجديدة وفعاليتها وأهدافها، وذلك حينما تكون هناك قضايا أساسية –مثل ملكية الأرض والسلطة البيروقراطية والتعاون بين الكيانات المختلفة– لم يتم حلها بعد.
هذا الوضع المتشابك قد يكون قابلاً للحل، هذا إذا قامت الأجهزة المعنية بتقديم معلومات كافية على نحو يتسم بالشفافية بحيث تكون متاحة لجميع الأطراف؛ فالشفافية وإمكانية تبادل المعلومات لا تكمن أهميتهما في ضمان مبدأ المشاركة فقط، وإنما أيضاً في أنهما تجعلان من أي مشروع أقوى وأعلى كفاءة، وذلك بتلافي الخلافات التي تستهلك وقتاً طويلاً كما هو الحاصل الآن في حالة الفسطاط. من شأن هذا تحسين الإدارة الديمقراطية للمدينة، وضمان أن تكون العلاقات ما بين البلدية والمحافظة والدولة أكثر تميزاً وذات جدوى أكبر. ولا تنحصر أهمية ذلك في التيقن من أن مصالح الفئات المختلفة (مجتمعات محلية، أطراف فاعلة بالمجتمع المدني، والقطاع التجاري) ممثلة بالفعل، وإنما أيضاً في أن تكون مسئوليات التنفيذ والمراقبة والتقييم موزعة ومعرّفة تعريفاً تاماً.
The content of this website is licensed by TADAMUN: The Cairo Urban Solidarity Initiative under a Creative Commons Attribution-NonCommercial-ShareAlike 3.0 Unported License
Comments
Trackbacks